عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

95

اللباب في علوم الكتاب

واعلم أنه - تعالى - أجاب عن هذه الشّبهة ، فقال : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ والمراد أسلافهم ، فبيّن - بهذا الكلام - أنهم إنما يطلبون ذلك على سبيل التعنّت ، لا على وجه الاسترشاد ، إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم . فإن قيل : لم قال : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ ولم يقل : جاءتكم رسل ؟ فالجواب : أن فعل المؤنث يذكّر إذا تقدمه جمع تكسير . والمراد بقوله : وَبِالَّذِي قُلْتُمْ هو ما طلبوه منه ، وهو القربان . فإن قيل : إن القوم إنما طالبوه بالقربان ، فما الحكمة في أنه أجابهم بقوله : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ ثم أضاف إليه قوله : وَبِالَّذِي قُلْتُمْ وهو القربان ؟ فالجواب : أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لو قال لهم : إن الأنبياء المتقدمين أتوا بالقربان لم يلزم من ذلك وجوب الاعتراف بنبوتهم ؛ لاحتمال أن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة ، لا موجب لها ، والشرط هو الذي يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط ، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القدر لما كان الإلزام واردا عليهم ، فلما قال : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ كان الإلزام واردا عليهم ؛ لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب للصدق ، ولما أتوا بالقربان فقد أتوا بالشرط ، فعند الإتيان بهما وجب الإقرار بالنبوة . قال القرطبيّ - في معنى الآية - : « قل » يا محمد « قَدْ جاءَكُمْ » يا معشر اليهود رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من القربان « فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ » يعني زكريا ويحيى وشعيبا وسائر من قتلوا من الأنبياء - عليهم السلام - ولم يؤمنوا بهم . أراد بذلك أسلافهم . وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبيّ ، واحتج بها على الذي حسّن قتل عثمان - رضي اللّه عنه - وأن اللّه تعالى سمي اليهود - لرضاهم بفعل أسلافهم - وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 184 ] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 ) قوله : فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ ليس جوابا ، بل الجواب محذوف ، أي : فقل ، ونحوه ؛ لأن هذا قد مضى وتحقّق ، والجملة من « جاءوا » في محل رفع ، صفة ل « رسل » و « من قبلك » متعلق ب « كذّب » والباء في « بالبيّنات » تحتمل الوجهين ، كنظيرتها . ومعنى الآية : فإن كذبوك في قولك : إنّ الأنبياء المتقدمين أتوا بالقربان . ويحتمل أن يكون المعنى : فإن كذبوك في أصل النبوة - وهو أولى - والمراد بالبينات المعجزات .